الشيخ الطوسي

62

التبيان في تفسير القرآن

اخبر الله تعالى انه بما فعله بالأمم التي أهلكها لم يظلم أحدا منهم ، ولكن ظلموا هم أنفسهم بأن ارتكبوا المعاصي التي استحقوا بها الهلاك فكان ذلك ظلمهم لأنفسهم ، وبين انه " ما أغنت عنهم آلهتهم " يعني الأوثان التي كانوا يعبدونها من دون الله ما دفعت عنهم ولا اعانتهم بشئ لما جاء امر الله واهلاكه وعذابه " وما زادوهم غير تتبيب " بمعنى غير تخسير - في قول مجاهد وقتادة - مأخوذ من تبت يده أي خسرت ، ومنه تباله ، وقال جرير : عرادة من بقية قوم لوط * ألا تبا لما فعلوا تبابا ( 1 ) وإنما قال يدعون من دون الله ، لأنهم كانوا يسمونها آلهة ويطلبون الحوائج منها ، كما يطلب الموحدون من الله . ومعنى " من دون الله " من منزلته أدنى من منزلة عبادة الله ، لأنه من الأدون ، وهو الأقرب إلى جهة السفلى . قوله تعالى : ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) ( 103 ) آية بلا خلاف . وجه التشبيه في قوله " وكذلك اخذ ربك " ان اخذه الظالم الذي يساوي من تقدمه في ظلمه وحاله في بطلان الفلاح ببقائه ، كأخذه الذي قبله ، لأنه ليس هناك محاباة لاحد من خلقه . والاخذ نقل الشئ إلى جهة الآخذ ، فلما نقلهم الله إلى جهة عقابه كان قد اخذهم به ، والظالم الفاعل للظلم والعادل الفاعل للعدل . ثم اخبر تعال ان اخذه للظالم مؤلم شديد ، والشدة تجمع يصعب معه التفكك ، ويقال للنقص شدة ، وشدة الألم لجمعه على النفس بما يعسر زواله .

--> ( 1 ) ديوانه : 72 من قصيدة في هجاء الراعي النميري ، وهو في تفسير الطبري 15 : 472